Blasphemous
أنهيت رحلتي في عالم لعبة Blasphemous، الذي تشبعت أركانه بقتامة وسواد آلام وأحزان وليدة ذنوب وخطايا تثقل كواهل أصحابها؛ لدرجة أنهم يبتغون العذاب تكفيراً عنها وتخفيفاً لآلام نفوسهم؛ ما عمق في نفوسهم إيماناً متعصباً وتشدداً في تعاملهم مع مفهوم الذنب؛ ما جعل الفرصة سانحة لكيان إلهي زائف ليتغذى على هذا الإيمان العميق ويعلو إلى سماوات ومراتب الآلهة، بتلاعبه وسيطرته على ظاهرة "المعجزة"؛ وهي ظاهرة عجيبة تجسد الذنوب والأحزان والأجساد بصور مرئية في الأرض، وتكافئ العابدين أحياناً، أو تمسخهم إن كانوا مذنبين أحياناً أخرى!
وبتوالي أحداث اللعبة، نجد بطلنا؛ "التائب"، ينطلق في رحلته كمسيح مُخَلِّص أو نَبِيٍّ ما؛ يخلص الممسوخين من حياتهم الأليمة ويمتص ذنوبهم ليغذي بها "سيف الذنب" الذي بحمله، ويُثقل كاهله بنفسه بكل آلامهم وذنوبهم وأوجاع أنفسهم؛ إرضاءً للمعجزة وكمحاولة لتجديد العهد بينها وبين البشر، وتخليصها من سيطرة الكيان الإلهي الزائف الذي يود أن يرتقي مراتب الآلهة أياً كان الثمن، ويقف في طريقه رجل آخر سخط على المعجزة وتحول عن تقديسها سابقاً وقتل كل من عاداه ضمنهم بطلنا؛ فسخطت عليه بدورها ومسخته وجعلته حارساً لها!
يمكن القول إذن أن اللعبة تمثل صراعاً بين رمزين، بطلين، نبيين، أحدهما يود إنقاذ العالم حقاً أياً كان الثمن، ويدفن كرامته على حساب الناس أجمعين، وينطلق في درب تجديد العهد مع السلطات العليا بالتفاوض معها، والثاني يسيطر عليه غضبه وشعوره بالرفض، وبدل أن يحاول تصحيح الأمور واكتشاف الطريقة المثلى لتحسين العلاقات مع هذه السلطات فإنه يعقد الأمور ويعلن أن كل من عاداه قد كفر وهرطق، وهذا لا يؤدي بدوره إلا لمزيد من الفساد الذي لا ينفع أحداً بل يضر الجميع!
لعبة "الكافر" أو "المُجَدِّف" من أقوى ألعاب الإندي المسكوت عنها، لعدة أسباب ستفهمونها تلقائياً عندما ننتهي من المراجعة، مبنية ومستلهمة بشكل واضح من الثقافة المسيحية في جنوب إسبانيا، تناقش تحديداً - حسب زعمي - قضايا تتعلق بالتشدد في الإيمان وقسوة حكم الناس على ذواتهم؛ بإظهار أهل أرض اللعبة يطلبون من المعجزة أن تحاسبهم على خطاياهم لتغفرها لهم وتزيح عنهم ثقلها، يطلبون منها بألسنتهم أن تعذبهم أو تمسخهم أياً كان الثمن، لا يأبهون!
وكذلك فهي تناقش أموراً أخرى لا داعي لذكرها، نترك لكم حرية استكشافها وفهمها مع لعبكم للعبة.
لكن، كل هذه الطبقات لأعماق الخطايا والأحزان في عالم اللعبة صَعَّبت على حبكة اللعبة أن تتنفس؛ فجاءت غير مستقرة، هي تحاول محاكاة نظام ألعاب السولز والألعاب التي يكون عليك اكتشاف حكايتها وتفاصيل عالمها بالتفاعل مع العالم حولك، لكنها قدمت ذلك بشكل يشعرك أن كتاب القصة تائهون أكثر من اللاعبين أنفسهم، لم يستطيعوا تكوين عالمهم بشكل صحيح ومستقر ومنظم كلياً وغرقوا في التفاصيل كثيراً لدرجة جعلت لاعبي اللعبة يعتبرونها من أصعب القصص التي واجهتهم، ومهما شاهدت من مقاطع فيديو لأناس يشرحون الحبكة أو قرأت لها مقالات؛ ستشعر كل مرة أنك ما زلت تفتقد شيئاً ما!
اللعبة أيضاً تقدم نظام ميترويدفينيا في عالم ثنائي الأبعاد، وهو نظام ألعاب يمكن أن نقول أنه عالم مفتوح بالنسبة للألعاب ثنائية الأبعاد لكن به أماكن لا يمكنك دخولها إلا بدخول أماكن أخرى، أو بالحصول على قدرات معينة، أنت تتجول وقد تزور المكان الواحد أكثر من عشر مرات لمجرد أنك تود فتح باب!
هذه هي الميترويدفينيا، ومن أراد أن يفهمها بشكل أبسط فليتابع سلسلة الألعاب التي بدأت هذا الصنف تقريباً: Castlevania.
تصميم اللعبة ورسوم عوالمها فنية بامتياز وهي أعظم مقومات المتعة والشاعرية في اللعبة، أعطتها طابعاً قوطياً بديعاً واستطاعت تجسيد حالة الحزن والألم العامة التي يتسم بها عالم اللعبة.
الموسيقى التصويرية رائعة، أظنها أفضل موسيقى سمعتها منذ وقت طويل ولا أبالغ، وأزعم أن ألبوم موسيقى اللعبة يستحق جوائز، بل وقد يكون سبباً مقنعاً وكافياً لتلعب اللعبة!
والموسيقى كاللعبة لها هوية إسبانية واضحة في ألحانها وبعض آلاتها، وكذلك تظهر بها مسحات دينية واضحة تتواءم مع أجواء اللعبة.
تقييمي النهائي لها ٦.٦ من ١٠، من أعظم تجارب الإندي التي خضتها رغم صعوبتها ورغم التيه الذي واجهته فيها، ومن أكثر الألعاب عمقاً وإبداعاً في تفاصيلها، لكانت تستحق تقييماً أعلى لولا مشاكلي مع الحبكة وشعوري أن نظام الميترويدفينيا فيها كان أصعب من المعدل الطبيعي المقبول لمثل هذه الألعاب، عدا ذلك فهي من الألعاب التي لن تخرج من ذهنك، وجذابة لدرجة قد تجعلك تبقى اليوم بأكمله تلعبها دون توقف، وتذكرنا حقاً لماذا نحب ألعاب الإندي!
تعليقات
إرسال تعليق