من متابعتي لكثير من القصص باختلاف طرق سردها وتقنيات معالجاتها سواء أكانت حبكات أدبية أم أفلام أم ألعاب، ومن ملاحظتي لردود أفعال المتأثرين بالمشاعر التي تُحَمَّل هذه القصص بها اكتشفت أمراً غريباً لا أدري ما إذا كان واقعاً أم أنه مجرد نظرية مؤامرة مصغرة، ولكنني سأشاركه معكم بأية حال كما العادة!
إن الحب والعلاقات العاطفية يتم اختزالها حالياً بصورة حقيرة في علاقات الحب بين الذكر والأنثى، مع تجاهل كافة العلاقات الإنسانية الأخرى كالصداقات والروابط الأسرية وغيرها، وتحديداً أتحدث بشأن مشاعر الحزن بشأن ما يُكتَبُ لهذه العلاقات من نهايات غير محمودة؛ فالناس يحزنون على فراق حَبِيبَين أكثر من حزنهم على وفاة والد أو والدة شخص ما، أو فراق بضعة أصدقاء، أو حتى وفاة زوج أو زوجة مخلصة، كل هذا لا يؤثر فيهم بقدر فراق "الحبيبين"!
وهذه ظاهرة غريبة أحاول حقاً تفسيرها منذ زمن؛ فقد أصبح هذا النوع من الفراق مرعباً ولو حتى كمجرد تخيل أو فكرة وجدانية؛ فتجد عاشقاً ولهاناً من الفئة المقصودة يخشى فراق حبيته أكثر مما يخشى فراق أصدقائه أو أحد أفراد عائلته، وتجد كل أغاني الشجن والحزن - إلا من رحم ربي - تتحدث عن فراق الحبيبين بتصويره بأبشع وأكثر الصور والتشبيهات رعباً؛ ونتج عن ذلك جيل يخشى شبابه وفتياته فراق المحبوب أكثر من الموت نفسه بلا مبالغة!
أكرر: هذه ظاهرة جد غريبة لا أجد لها تفسيراً إلى اليوم، منذ أعوام مضت كنت لأسخر من "العشاق" وسخافتهم ولكن مع مرور الأعوام والتوجه إلى النضج يغدو المرء مؤمناً بأن الحب فعلاً له سطوته وقوته، وهو إحساس نرغب بتجربته جميعاً دون منازع، لكن كيف ستجربه وهنالك شيء بداخلك يثير رعبك من الفراق؟!
جيلنا هذا يستحق الشفقة، ويستحق أن يسرع ذوو الحكمة والعقلانية بمحاولة إعادة توزيع المشاعر بداخل أرواح أفراده توزيعاً صحيحاً؛ ليتعلموا ألا يخافوا أبداً من أي نوع من الفراق، وأن يكون حزنهم غير مبالغ فيه وبنسب متساوية لكل الأحداث الأليمة التي قد تواجههم في حياتهم؛ لأنني أشعر بأن ملاحظتي تلك قد لا تكون خاطئة بأي حال؛ ربما يعاني جيلنا هذا رهبة ومرضاً غريبين ينبغي علاجهما....وربما ينبغي اغتيال كل من يغني لثنائية الحب والفراق وفي صدارتهم عمرو دياب؛ فعندما تحشو أفراداً لم يبلغوا سن الرشد حتى بأماني وطموحات ومشاعر فياضة فوق طاقة تحملهم ثم تحدث المفاجأة بأن كثيراً من العلاقات لم ولن تكتمل؛ ثم يجدونك تحشوهم بمشاعر الخيبة والندم والحسرة التي تمنعهم من إكمال حياتهم بالشكل الصائب؛ فأنت بذلك تصنع أجيالاً مصابة بخلل كبير في مشاعر الحزن لديهم!
أجيال تشعر بأحزان فوق طاقتها عند أوان فراق الأحبة ولا تشعر بنفس الحزن عند أوان فراق العائلة والأصدقاء!
وماذا عن نفسك؟! ألا تشعر بالحزن بعد أن فقدتها؟!
أتشعر بنفسك أصلاً؟!
أعاننا وأعانكم الله على هذه المصيبة، وأدعوه أن يباعد بينها وبين من أصيب بها....!
تعليقات
إرسال تعليق