عن السفر، واعتياد الألم.

 عندما أخبروني للمرة الأولى أنني سأضطر ان أسافر يومياً إلى جامعتي؛ أذكر رعباً خفيفاً اعتراني!


إنني الآن وبصراحة أعتبر نفسي مغامراً هادئاً، وعلى قدر بسيط من شجاعة الصمود في وجه كل ما هو جديد علي، ولكنني قبل تجربة السفر كنت جباناً كبيراً يخشى خوض ما يقدر وما لا يقدر على خوضه، ولكي تفهموا جيداً كيف لتجربة كتلك أن تحولني وتغيرني هكذا؛ سيكون علي أن أبدأ من البداية.


كان يا مكان، منذ بضعة أعوام....!


"....كلية التربية، فرصتك لتمارس شغفك بالتأثير والتعليم، وستكون معلماً مميزاً وربما مشهوراً بإذن الله، وما إلى ذلك!"


هكذا وجهت حديثي إلى نفسي عند استقبال نتيجة التنسيق.


في رحلاتي الأولى كان ينقصني حرفياً أن أصيح في الشوارع كتائهٍ أو مخطوف يهرب من مختطفيه؛ المدينة لم تكن ترحب بضيوفها بحرارة كما توقعت بل كانت أوسع وأكبر قدراً من أن تلتفت إلي تحديداً لترحب بي كأحد زوارها الجدد، وأحد روادها المتكررين المستقبليين!


لم أكن أعرف شيئاً أو أحداً وكنت أسير كالأعمى متحسساً الطرق وسائلاً جميع الناس إلى أن يكتب لي الله التوفيق وأجد من يرشدني لما ينبغي أن أفعله.


"اذهب هناك، تابع سيرك، واركب حتى كذا."


فأرد: "الله يكرمك، شكراً."


"اتجه يميناً، ثم يساراً، واركب حتى كذا، ثم انزل وسِر نحو كذا."


فأرد: "الله يكرمك، شكراً."


هذا كلامهم الذي يقولونه لي عندما أسأل، ولكنني من فرط خوفي وحماقتي كنت أسمعه بشكل مختلف!


"سِر حتى حدود إسبانيا، وتوجه بعد ذلك إلى الصين، ثم عد أدراجك وادخل إيطاليا، وتسلق أعلى برج فيها ثم اقذف بنفسك من أعلاه!"


هذا ما كنت أسمعه بصراحة، وأيضاً كنت أرد بالرد الذي لا أحفظ غيره: "الله يكرمك، شكراً."!


كنت للأسف أخجل أن أطلب منه ترشيحاً أو اقتراحاً لبرجٍ عالٍ أقذف نفسي من أعلاه!


عذراً يا رفاق، أعلم أنني ثقيل الدم وأن حسي الفكاهي لا يُستَسَاغ؛ ولذا سأحاول التوقف عن دعاباتي الحمقاء وأتابع الحديث بجدية!


مرت الأيام وتكرر سفري، كثيراً وحدي وقليلاً مع غيري، وبحمد الله وتوفيقه حفظت قدراً كبيراً وهاماً من تفاصيل المنطقة والطرق المؤدية إليها، ولم أعد أشعر كثيراً كما السابق أنني كائن فضائي أو دخيل على المكان؛ لقد بدأت المدينة تشفق علي وتغدو حنونة وتعاملني بشكل جيد، وهذه المعاملة الجيدة تكفي وزيادة.


أظنني ممتن للسفر كونه علمني دروساً عدة، أولها الصبر، وهذا لا أحتاج أن أتحدث عنه كثيراً، يكفي أن أصف لك ملل فترات الانتظار بين المحاضرات، أو المحاضرات نفسها التي أضطر فيها إلى سماع هذيان "الدكاترة" عن مواضيع لا أحبها ولم أختر دراستها، في الواقع دعك من كل هذا وتعال أحكي لك حكاياتٍ اسطورية عن زحام المواصلات....ماذا؟ لا تودني أن أبدأ حتى؟! لا بأس؛ فهذا يعني أنك فهمتني!


علمني السفر أيضاً سرعة البديهة وحسن التصرف في مواقف عدة، وجعلني أهتم بنفسي أكثر بقليل من ذي قبل؛ فلم أعد أبخل على بطني العزيزة بعشرة جنيهات لإسكاتها، وإذا لم أرد إسكاتها أو لم أملك ما يكفي ما النقود نظراً لأي ظرف من الظروف فهذا لا يشكل مشكلة في الغالب؛ ألم أخبركم أنني تعلمت الصبر؟ جيد، من علاماته عندي أنني استطيع أن أقضي يوماً كاملاً بلا طعام وربما حتى بلا شراب دون أن أموت!


علمني أيضاً أن أعتاد كل شيء حتى الألم؛ فلم أعد أفرح بشدة لأمر ما أو أحزن بشدة لأمر آخر؛ فقد أصبحت الحياة بكل أحداثها وتفاصيلها مكررة وساذجة بالنسبة لي، ولم يعد هنالك فارق بين أن يحدث خير أو أن يحدث شر، فليحدث ما يحدث...ناولني تلك الشوكولاتة ودع مذاقها الحلو يلهيني عن مرارة اليوم وما يسبقه أو يتلوه من أيام! 


زرع السفر بين ثنايا مشاعري وإدراكي قلة إحساسٍ بالزمن؛ فأنا اليوم آتي إلى الجامعة كي أبدأ عامي الدراسي الثالث بها، وأشعر بأنني غبت فقط لبضعة أيام رغم أنني لم أرى هذا المكان البائس منذ أربعة أشهر تقريباً، وهذا أمر لو تعلمون عظيم!


ربما يكمن خلاصنا غالباً في أعظم مخاوفنا، وعني فقد وجدته في المغامرة، ولا أقصد بالمغامرة أنني أذهب إلى الجامعة بثياب روبن هود وقوس وكنانة أسهم لأخترق حواسيب الأنظمة والكشوف لأسرق درجات الاختبارات من الطلبة "الدحيحة" وأعطيها لمن هم أقل منهم في الدرجات أو دخلوا الكلية عنوة بسبب نتائج التنسيق، ولكن المغامرة التي أقصدها هي أن تكون لديك الجرأة على أن تتخذ قراراً بمواجهة أكثر الأمور التي تخشاها وتواجهها بالفعل، خاصة لو كنت تحبها، وأن تكون مستعداً لتخطي عواقب هذه المواجهة إذا لم تأت بنتائج محمودة، وهذا هو نوع الأبطال والمغامرين الذي يجب علينا أن نكونه، والذي أحاول جاهداً أن أكونه على الدوام.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous