Oppenheimer (الآن أصبحت الموت، ومدمر العوالم!)
"الآن أصبحت الموت، ومدمر العوالم!"
أفلام السيرة الذاتية كما هو واضح تشكل أحد أصعب التحديات السينيمائية لأي مخرج؛ فأنت تخرج فيلماً عن قصة يمكن لأي أحد أن يقرأها على الانترنت أو في كتاب ما، وربما يمعلومات وتفاصيل حتى أكثر من التي قد تدرجها في فيلمك، وإذن ما الذي يجعلنا نقول عن فيلم سيرة ذاتية أنه رائع؟
المسألة كلها متعلقة بفنية السرد، وأن يتم استخدام العناصر السينيمائية المختلفة بصورة دقيقة ومناسبة لجعل الحبكة تبدو شيقة حتى لو أنك تعرفها مسبقاً، وهكذا رأيت أنا في تحفة أوبنهايمر للمخرج الساحر كريستوفر نولان!
من البداية وحتى لا يُفهَم الفيلم بشكل خاطئ، فإن مخرجه أراد أن يصبغ قصة مخترع السلاح الأكثر فتكاً على وجه الأرض بصبغة الرعب، وقد نجح نجاحاً رائعاً في ذلك بأن وظف عناصر الفيلم سينيمائياً بشكل مبهر ليضفي طابع التوتر والرعب النفسي بل وربما حتى الظلامية على أجواء الفيلم، هذا من ناحية.
أما من الناحية الأخرى، فإن فيلم أوبنهايمر اسمه "أوبنهايمر"، ويُحكَى أغلبه من منظور "أوبنهايمر"؛ ولذا فإنك لن تجد تركيزاً كبيراً على الشخصيات من حوله أياً كانوا وأياً كانت أهميتهم وحتى زوجته؛ فكلهم في نظر الرجل مجرد أجزاء تمر أمامه من حياته، مجرد كومبارسات في قصة رجل قيل عنه أن لديه بعضاً من الغرور والتعالي، وهذا أمر طبيعي ويتناسق مع طبيعة شخصيته إذن؛ ولذا فإن هذا في نظري لا يعتبر عيباً فنياً وإنما هو تفصيلة دقيقة ورائعة ستقع في غرامها عندما تفهمها وتشاهد أو تعيد مشاهدة الفيلم وأنت مدرك لها!
الخطوط الزمنية بالفيلم بها إبداع جميل، لن تكون مفهومة في البداية - وهذا ما يتسلى نولان السيكوباتي الزمني بفعله بالمشاهدين في كل أفلامه! - لكن مع الوقت ستدرك بأن الفيلم يُروَى من منظور بطلين ولكل منهما خطه الزمني الخاص، والعجيب أن الخط الزمني الحاضر سيكون عديم الألوان بينما الذي يقصه أوبنهايمر سيكون ملوناً، وفي تلك إشارة إلى كون الأحداث خارجة من خياله وذكرياته، يدعم هذه الفكرة وجود عشوائيات وتصورات الانفجارات وتصادمات الذرات المصنوعة بالمؤثرات البصرية الخفيفة، وحتى تأخر صوت القنبلة في مشهد الانفجار، أنت لا تشاهد السيرة الذاتية تروى أمامك وحسب بشكل ممل، أنت تغوص داخل عقل أوبنهايمر وتضع نفسك مكانه وهو يمر بكل تلك الأحداث المتلاحقة، بدايةً من تدريسه لميكانيكا الكم في أميركا ومروراً باختبار الثالوث ووصولاً إلى محاولات إسكاته المتوقعة عندما بدأ يشعر بالذنب حيال الآثار الوخيمة لسلاحه المرعب، ونفس الحال مع الخط الزمني الذي يرويه الطرف الثاني من بطولة الأحداث، لن أذكر أكثر من ذلك منعاً للحرق لكنك باختصار قد تكون موشكاً أن تشعر أنك تشاهد فيلمين بداخل فيلم واحد!
أيضاً، هنالك فنية تستحق الإشادة هنا؛ وهي كون الفيلم يحمل في جوهره تحذيراً مستقبلياً خفياً من خطر وقوع القوى الخطيرة في الأيدي الخطأ، وكما نعلم للأسف فإن القوى الخطيرة لا تقع أبداً إلا في الأيدي الخطأ!
الموسيقى التصويرية مستمرة بشكل لم أظنه مزعجاً على الإطلاق إذ أنها كانت جذابة ومثيرة، وتحديداً في مشهد الثالوث ستكتشف أن تعبيرها ووصفها للمشاعر أقل ما يقال عنه أنه مذهل، بداية من افتتاحية المشهد بنبرة الموسيقى الحادة المثيرة للتوتر والتي تتدرج وتتطور نحو حالة الرعب، ثم تخمد فجأة وتصبح مزيجاً من الندم والخوف والدهشة، نقول عن الموسيقى أنها ممتازة إذا استطاعت أن تكون وسيلة تعبير مثلها مثل الكلام أو اللغة المكتوبة، ولن تحتاج إلى مشاهدة أوبنهايمر مرتين لتكتشف بأن موسيقاه تمتلك تلك الميزة!
الأداءات التمثيلية عظيمة جداً وخاصةً من الرائع الذي نتمنى له جائزة الأوسكار روبرت داوني جونيير، لكن بكل صراحة فرغم أن تفصيلة تهميش أدوار أغلب الشخصيات التي وُظِّفَت للتأكيد على فكرة أن قصة أوبنهايمر تدور في عقله بشكل رئيسي كانت رائعة إلا أنها للأسف حرمتنا من فرصة التمتع بمزيد من الأداءات التمثيلية لممثلين كنا نريد أن نرى المزيد منهم، وهذا خطأ مؤسف وفادح وقع فيه مخرجنا؛ إذ أنه لم يحاول الموازنة بين إعطاء الممثلين حقهم من الظهور والتباهي بأداءاتهم وبين توظيف فنيته لخدمة فكرته، ظننت أن مخرجاً محنكاً بقدر نولان سيكون منتبهاً لهذا الأمر ولكن...لا تأتي الرياح دائماً بما تشتهي السفن!
مدة الفيلم عندي ما زالت تشكل أزمة فكرية؛ لا أدري بعد ما إذا كنت حقاً أدعم كون مدته تبلغ الثلاث ساعات أم أقل، لكن...
لا أدري، فدعونا لا نتوقف عند تلك النقطة كثيراً؛ لأن الأهم أن الثلاث ساعات لم تحوي بالنسبة لي ذرة ملل واحدة رغم كونها كلها درامية بحتة!
التصوير السينيمائي والكادرات واختيار المشاهد وأماكن التصوير وتدريجات الألوان التي نحبها في سينما IMAX منحتنا تجربة بصرية مبهرة، رغم عدم وجود الكثير من المؤثرات البصرية وحتى في انفجار الثالوث لكن الأمر أنك ستتمتع بكثير من عناصر التصوير السينيمائي المتعلقة بتفاصيل الأماكن والشخصيات والألوان.
كل هذا الحديث وما زلت أشعر أنني لم أعطِ الفيلم كامل حقه من التمجيد والإشادة، يا لها من تحفة فنية تلك التي تعيدنا إلى السينما وتثبتنا في مقاعدنا لثلاث ساعات دون ملل حتى ولو كنا نعرف القصة كلها من البداية، وتعيد إلينا الأمل في السينما التي لم يعد مستقبلها واضح الملامح منذ حلت عليها لعنة أفلام الأجندات والأبطال الخارقين والأغراض التجارية، هذا فيلم يضرب كل تلك الأفلام الشنيعة ويعاركهم منفرداً ويهزمهم، ويطحنهم، ويدهسهم، ويفتخر بانتصاره!
هذا الفيلم قد يكون أعظم ما ستراه عيناك سينيمائياً في السنوات الأخيرة، ولو أنك ستسألني عن رأيي العام بشأن الفيلم فسأخبرك باختصار أنني أوافق كل من قالوا عنه أنه واحد من أهم التحف الفنية السينيمائية لهذا العقد، وربما لهذا القرن!
تقييمي النهائي ٩ من ١٠، ولولا العيب الذي ذكرته لاستحق العلامة الكاملة، لأنه كان قريباً جداً من الكمال بشكل ما زال يذهلني!

تعليقات
إرسال تعليق