٥

أكتب الآن هذه الكلمات في واحدة من مذكراتي العزيزة وأنا أشعر بالرضا، وببعض من السعادة التي لم أذقها منذ وقت طويل إلا على فترات؛ فقد حققت إنجازين رائعين مترابطين على مدار الأيام القليلة السابقة، وأولهما باختصار - قبل أن أتناوله بالتفصيل - أنني - نوعاً ما، وليس بالمعنى الحرفي - أرسيت قواعد وأسساً لفلسفتي الشخصية؛ والتي تتلخص في تحديد معالم فكرة الإنسان الأسمى من وجهة نظر إسلامية روحية إنسانية، وحتى فنية وأخلاقية، وأصبحت لدي وجهة نظر عما ينبغي أن تكون رحلة الإنسان في حياته عليه، هذا هو الإنجاز الأول باختصار والآن أتناوله بالتفصيل.

دائماً ما فكرت وحاولت أن أصل إلى نسخة أفضل وأقوى من نفسي، وشعرت بأن هنالك ثورة ما تندلع بداخلي، وتمس عقلي وروحي ووجداني، ولكني لم أستطع أبداً أن أعبر عنها بشكل صحيح، لكن كل هذا تغير عندما قرأت عن أفكار الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" عما يدعى بالإنسان الأسمى، وشعرت أن مفهومه هذا قد يكون حلاً لمعضلتي التي واجهتني لأعوام، وأنه قد يحوي تعليمات وقواعد لثورتي الداخلية، ولكن المشكلة التي واجهتني مع فلسفة نيتشه أن بها قاعدة واحدة؛ وهي عدم وجود القواعد أصلاً! 

نيتشه في فلسفته يثور، ولكن بغضب وهياج، إنه لا يفعل شيئاً إلا أنه يمسك بمطرقة ويحطم كل شيء، يحطم ل القواعد والمعنويات وأولها الدين والأخلاقيات، ويحتقرها هي والميتافيزيقا بشكل عام، ويرى أن هذه هي وسيلة وصول الإنسان إلى نسخته الأسمى، وبالطبع فإن هذه الهمجية الفكرية لم تنل إعجابي، ورغم ذلك فهذا لم يمنع أنني وجدت الجزء الأول من الأحجية في فلسفته!

إن مفهوم الإنسان الأسمى أو الأعلى هذا قد لخص قضايا ثورتي ورغباتي الداخلية، والتي تهدف ببساطة إلى الوصول إلى نسخة أسمى وأقوى من نفسي، لكن الطريقة التي انتهجها نيتشه بتحطيم كل شيء كانت خاطئة بالطبع، إذن فأنا عندي الهدف والمقصد وينقصني الطريق، فأين عساي أجده يا ترى؟

لقد ركز نيتشه على فكرة التحرر من القيود كتوضيح لمفهومه، وأظنه كان صائباً في هذا - بشأن فكرة الحرية بشكل عام - فأصبحت أرى أيضاً أن الحرية هي قمة السمو الإنساني، أو ما قبل القمة بقليل...

يمكن أن نستنتج الآن أن قاعدة هذا الفكر الذي أحاول تكوين معالمه هي أن الإنسان ببساطة يسمو عندما يتحرر، ولكن من ماذا عليه أن يتحرر بالضبط؟ لأنه لو تحرر من كل شيء كما يقول نيتشه فهو لن يكون إنساناً أسمى، بل سيغدو وحشاً يفسد في الأرض ولا يصلح!

وهنا تأكدت أن القيود مهمة بقدر أهمية الحرية، وأن هذين المفهومين مترابطان ومكملان لبعضهما، وبالطبع لم نعرف في التاريخ قيوداً أكبر تأثيراً من الدين والقانون، وأقول بأن الدين تأثيره أكبر لأنه يجمع بين الجوانب المادية والميتافيزيقية والنفسية والروحية في تعاليمه وقوانينه، أما القانون فهو يركز على الجوانب المادية وحسب، ولذا فقد حاولت أن أبحث في الدين عن مسائل الحرية وتقييدها، وبدأت بديني - ألا وهو الإسلام - وانتهيت عنده!

لقد وجدت جانبين في ديني الإسلامي العظيم بشأن قضية الحرية والسمو؛ فقد دعاني هذا الدين بشكل عام إلى إفراد إله واحد بالعبادة دون شرك به، ودون تقديس أي شيء أو أحد غيره؛ أي أنه بالفعل يدعوني إلى أن أحرر نفسي من قيودها كي أسمو وأرتفع عالياً وعالياً بحريتي....ولكنه فجأة يوقفني بتعاليمه عند حدي، وعند قمة الحرية كي لا أصبح همجياً ومفسدا؛ فالأمر هنا أن قمة الحرية لا ينبغي لأحد أن يصل إليها وإلا كانت عواقب ذلك وخيمة جداً على كثير من الأصعدة.

هذا عن الجانب الأول، أما الثاني فقد كان في مناهج الصوفية الإسلامية والتي اهتمت بالسمو بالإنسان عن طريق تنمية مقام الدين الثالث عنده؛ وهو بالطبع مقام الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، ودعت إلى تطهير النفس من رذائلها لتحريرها، وتحليتها بالفضائل والأخلاق، وحب الله وطاعته دائماً وأبداً.

إن الإنسان يحتاج إلى الحرية في المقام الأول ليسمو، وتكتمل ثورته الداخلية وتكلل بالنجاح كجزء هام وحيوي من وجدانه، لكنه إذا وصل إلى قمة تلك الحرية فإنه سيرى نفسه إلهاً لا محالة، وهنا يحتاج الإنسان إلى قواعد وتعاليم ترشده إلى أخذ القدر الذي يحتاجه من الحرية ليسمو، دون زيادة أو نقص تفسد نفسه وتجعله وحشاً، وعني أنا فكما قلت: لقد وجدت هذا في الإسلام، والحمد لله الذي نور بصيرتي، وعلمني أن الإنسان ليس سوى إله زائف!

إلى هنا ينتهي تقريري لإنجازي الأول وتفصيله، أما عن الإنجاز الثاني فكما سابقه؛ أذكره بإجمال قبل التفصيل؛ وهو باختصار أنني تحدثت مع طالبتين في المدرسة التي أتدرب بها عن هذه الأفكار، وبالطبع أفصل لكم الآن هذا الحدث.

منذ الصفوف الثانوية وحتى اليوم وأنا أؤمن بفساد النظام التعليمي كلياً، وأرى أن الطلبة دائماً وحيدون ولا يجدون من يفهمهم أو يسمح لهم بالتفكير أو اكتشاف قدراتهم ومهاراتهم، وإنما يعاملونهم بنوع من العبودية دون وجود فوائد علمية حقيقية على مدار حياة المرء، وبالطبع قطعت عهداً على نفسي أني - كمعلم - لن أكون كذلك، وإنما سوف أجعل طلابي دائماً يشعرون بقيمتهم ووجودهم وأهميتهم في الحياة، فهذا أهم عندي من التدريس والتلقين لأنه سهل على أي أحد، لكن أن تساند الطلاب وتنمي إحساسهم بذواتهم فهذا هو التحدي الأصعب، وكما تعلمت من أحداث حياتي: الصواب دائماً صعب!

وقد بدأت تجربة ذلك بالفعل؛ عندما توصلت إلى أفكاري التي ذكرتها بالأعلى بشأن الحرية وما إلى ذلك مرت على ذهني مشاهد وأفكار تابعة لآثار هذا النظام التعليمي الجديد الذي بدأ في ايام دراستنا نحن، وتذكرت ألمي وأحاسيسي السيئة كلها حينئذ، وأن كل ما كنت أحتاجه هو أن أجد من أتحدث معه ويفهمني؛ وانطلاقاً من فرضية أن طلاب الجيل الحالي يحتاجون إلى نفس الأمر قررت أن أناقشهم في هذه الأفكار!

ولم أظن أنها صعبة عليهم؛ إنني أعلم أن عقولهم عبقرية لكنها توظف بطريقة خاطئة ليس إلا، وهكذا في أحد الأيام التي أذهب فيها إلى مدرسة ثانوية لأتدرب على التدريس مع طلبة الصف الأول الثانوي، قررت أن أنفذ خطتي في الحصة الأخيرة.

انتهى صديقي من شرح درس ما، وهنا شرعت أحدثهم عن نظامهم، ثم سألتهم عن مفهومهم عن الحرية، وهكذا تابعت سرد أفكاري وأخبرتهم أنني أعد بحثاً حول هذه الأمور وعلاقتها بنظامهم، وأحتاج إلى آرائهم وتجاربهم، وهذا على ما يبدو جعلهم بالفعل يشعرون بقيمتهم؛ إذ أنهم تجاوبوا معي وظلوا جالسين يستمعون إلي حتى عندما رن جرس نهاية الدوام؛ وهذا دل على أنهم كانوا سعيدين وراضين ومحبين لذلك!

وبعدها تطرقت في النهاية إلى نظامهم، وفصلت لهم عيوبه من وجهة نظري، وأكدت لهم أنني أشعر بمعاناتهم، ووجهت لهم عدة نصائح، ثم انتهى الحديث فرحلنا.

وهذا يعتبر أول حديث فلسفي تقريباً أخوضه مع طلبتي في حياتي، والذي لا أنوي أن يكون الأخير بإذن الله إذ أنني أخطط للحديث معهم في أمور شتى سواء عن الفلسفة أو عن أنفسهم وغير ذلك؛ أود أن أكون صديقهم ومعلمهم وبعدها مدرسهم، وأرجو أن يوفقني الله في ذلك.

وعلى الهامش أذكر أنني قد سجلت هذا الحديث للذكرى، ونشرته على حسابي على ساوندكلاود لفترة مؤقتة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous