٦
منذ بضع سنوات بدأت حفظ القرآن الكريم، وبكل أسف اكتشفت أن حفظه في غير عمر الطفولة شاق جداً، فعدلت عن رغبتي لفترة من الزمن تمكن فيها الشيطان من عقلي للأسف، وكاد ان يثنيني عما أطمح إليه لولا أن مَنَّ الله علي وعلى عقلي بفكرة أخرى؛ لا بأس ألا أحفظ القرآن، لِمَ لا أجرب فهمه أولاً؟
ملكة الحفظ عندي سيئة جداً للأسف، والنسيان عندي كالتنفس، وهذا ما يجعلني أتذكر ما أحفظه بشكل مشوه إلا إذا كنت فاهماً إياه وملماً بجوهره، أي أنني باختصار أحفظ وأفهم لكنني أفهم أكثر مما أحفظ، وهذا بالطبع كان سبب أنني لم أستطع إكمال الحفظ، لكن هذا لم يكن مبرراً لي بالطبع لأبتعد عن القرآن أو أعدل عنه؛ فتعاملت معه كحافز لإيجاد حل بديل، وتوصلت إلى حل يتلخص في السؤال الذي طرحته على نفسي وذكرته بالأعلى: لم لا أجرب فهم القرآن؟
بحثت في تفاسير القرآن واهتديت إلى تفاسير الزمخشري وابن كثير والشافعي والقرطبي والطبري والرازي، لكنني بالطبع من العوام؛ أي أنني لست متخصصاً في علوم الدين وما يكون لي أن أدعي غير ذلك أو أن أدعي أن علوم الدين ليست مهمة، لكنني كنت أبحث عن تفسير يخاطبني بلغة سهلة وواضحة، ولم أكتفِ بصراحة بالتفسير الميسر وما شابهه، إنما أردت أن أطلع على تفاسير الأئمة الكرام رضي الله عنهم بنفسي؛ كي أعمق فهمي وآخذ وقتي مع كل آية كريمة على حدة؛ وهكذا شرعت في تجربة فهم فاتحة الكتاب بأن أقرأ تفسيرها عند كل إمامٍ على حدة؛ لأفاضل بين تفاسيرهم في النهاية.
وبدون ذكر أسباب اختصاراً للحديث، استبعدت تفسيري الزمخشري والشافعي، وبقي معي ابن كثير والقرطبي والطبري والرازي.
كان تفسير الإمام الرازي عظيماً بحق؛ إنه لا يتحدث وحسب عن السورة كسورة قرآنية وإنما يناقش عدة قضايا حولها مرتبطة بعلوم اللغة وعلوم الدين؛ لا يكفي أن تعرف تفاسير السور ومعانيها في تفسيره ولكنك ستجده يشرح الإسم والفعل والحرف، والممنوع من الصرف، ويتحدث عن دلالات أسماء الله الحسنى وغير ذلك الكثير، إنه يأتيك بتفاسير السور ويأتيك أيضاً بكل المسائل المتعلقة بها من علوم الدين واللغة، يمكننا اعتباره موسوعة دينية في حد ذاته، وكذلك هو أهم التفاسير العقلية للقرآن الكريم، والحديث عنه يمكن أن يطول لكنه ليس موضوعنا، لكنني لم أستطع أن آت على ذكره منفرداً دون ذكر القليل جداً من محاسنه!
وبالطبع يا رفاق...استبعدته، أنا لست متخصصاً ولا أود الخوض في مسائل تفسير عظيم كهذا، ووجدت بعدها أن تفسيري ابن كثير والقرطبي جيدين لكنهما لم يحققا أمنيتي بعد، عندها جربت تفسير الطبري، وبالطبع تعلمون أنه كان المنتظر إذ أنني ذكرته أخيراً بعد سابقيه!
نعم، تفسير الإمام الطبري يفسر الآيات والسور بسهولة وباختصار، وليس قصيراً بالشكل الذي نفرني من التفاسير الميسرة التي لم تسمح لي بأن أحيا بوجداني مع آيات الله عز وجل كما أردت، ولا طويلاً بشكل يجعلني أمل أو أعدل عنه لكوني غير متخصص في علوم الدين، وبالفعل حفظت بفضل الله ومن خلاله ربع الحزب الأول من القرآن وفهمت تفسيره ومعانيه، وعشت مع الآيات بوجداني وعقلي وقلبي كما تمنيت ورغبت.
واليوم بعد انقطاع بسبب امتحانات الكلية أعود إلى رحاب القرآن، وإلى تفسير إمامنا الطبري لأستكمل ما بدأت من فهم للقرآن وجوهره ومعانيه، وأحفظ منه ما استطعت من آيات طوال هذه الرحلة التي لا أرجو لها أن تنتهي، وأدعو الله أن يرزقكم جميعاً بمثلها، ونفع الله بنا وبكم.
تعليقات
إرسال تعليق