غزة تشكل العالم من جديد!
ما يحدث اليوم في فلسطين وتحديداً في غزة قد وُصِفَ بكل ما هو ممكن من صياغات، وكتبت عنه تقريباً جميع الأقلام وتحدثت عنه تقريباً جميع الألسنة، ولكنني لن أتحدث عما يحدث هناك إذ أنه معروف وواضح؛ الكل يعرف في أقاصي الشرق والغرب من المجرم ومن الضحية، ولكن السياسيين والحمقى فقط هم من يخالفون الحقائق كما نعلم!
ما أود أن آتي على ذكره هو أثر ما يحدث هناك علينا، وكيف أنه لا يعد مجرد حكاية عن شعب يقاوم احتلال بعض المعتدين المتعطشين للدماء، وإنما هو قضية تمس جوارح وحياة كل فرد مسلم منا هنا في وطننا العربي، أو خارجه حتى لو لم يكن مسلماً؛ فهذه واحدة من أكثر القضايا التي لن أبالغ إن قلت أنها تساهم حالياً في إعادة تشكيل وعي العالم!
قرأنا كثيراً وسمعنا خطباً في المساجد عن الشهادة، وعن فضلها، وحكاياتٍ عنها كانت عجيبة بالنسبة لنا، وتجعلنا دائماً نسأل أنفسنا سؤالين: "كيف؟" و"هل فات الأوان على أن نرى أموراً كهذه على أرض الواقع في هذا العصر؟"
إجابة "كيف؟" هي الإيمان بالطبع، ولكن أي إيمان!
أي إيمان يجعل كل أولئك الناس يودعون أحباباً لهم كل يوم ويظلون صامدين ومؤمنين بقضيتهم ومتمسكين بدينهم وأرضهم بهكذا طريقة؟!
كيف لهم أن يظلوا أحياء ومقاومين رغم نقص إمداداتهم المعنوية والمادية هناك، كيف لهم حقاً أن...ينيروا وسط كل هذا الظلام الذي يحيون فيه؟!
إجابة "كيف؟"...هي الإيمان بالطبع...ولكن أي إيمان!
هذه القضية علمت العالم حقاً أن "السياسة مقرونة بالدماء!" وجعلتهم يعيدون النظر في أمور وأفكار ومعتقدات عدة، بل وحتى - حسب علمي - ألهمت أناساً كثر بدخول الإسلام نفسه، وهذا بالطبع أمر طبيعي بالنسبة لشخص يرى حقاً أساطير بمعنى الكلمة لا يراها إلا في الأفلام أو حكايات الزمان الماضي عن أشخاص يتعرضون لهكذا إبادة جماعية ويظلون مقاومين وصامدين و....باسمين!
أما عنا تحديداً، فهذه القضية حقاً إسلامية في المقام الأول قبل أن تكون إنسانية أو عالمية؛ فهي - في عصر الفتن هذا - تعتبر الفيصل الرئيسي بين الحق والباطل؛ إذا أنها أزاحت لك الستار كمسلم عن المنافقين والمدعين، وكشفت لك عدة حقائق أعلم أنك تتمنى لو لم تعرفها ولكن كان عليك حقاً أن تعرفها، وقَوَّت بداخلنا كمسلمين أجمعين الإيمان بالله، وأعلمتنا بأن هذا الدين لا زال حياً وشامخاً بأهله، وأن الله ناصر عباده المؤمنين ولو حتى بالصبر فقط.
علمتنا قيمة رغيف الخبز الذي نشمئز من تناوله وحده ليلاً إذا لم نجد ما نأكله به، علمتنا قيمة الحياة والإيمان وألهمتنا للنقرب من الله أكثر وأكثر، وكشفت عن المروءة والنخوة والحس البطولي بداخلنا إذ جعلت كل مسلم منا يكثف الدعاء ويتأثر بما يحدث لإخوانه ويحاول نصرتهم ولو بكلمة؛ وبالتالي علمتنا أيضاً قيمة الأفعال البسيطة على جميع الأصعدة.
إن ما يحدث اليوم هناك هو كما قلت آنفاً ظاهرة تعيد تشكيل وعي العالم، ظاهرة ذات أبعاد أزعم أنها قد تكون شاملة لفلسفة حياة العالم بشكل كامل، ظاهرة تعلم المرء مسلماً أو لا قيمة كل لحظة أمن وأمان يقضيها في منزله وبالتالي تعلمه كيف يعيش، ظاهرة تخلق من ذوي الحيلة القليلة أبطالاً بقدر ما يقدمونه لنصرة إخوانهم مهما كان بسيطاً، ظاهرة كسرت كل قواعد البطولة في هكذا عصر وعلمتنا حقاً من هم الأبطال الحقيقيون في هذا العالم، ظاهرة ينبغي حسب زعمي أن تدرس في المدارس بكل أنحاء العالم ليستخلص منها الطلاب والمعلمون قيم البطولة وأهمية الحياة بأضعف تفاصيلها!
ظاهرة يحق لها أن تكون حديث العالم أجمع، وربما - دون مبالغة - أن توحده في وجه الظلم العالمي!
غزة لم تعد الآن معركة المسلمين وحسب بل أصبحت تقريباً قضية ومعركة ونضال العالم بأسره، ناهيك عن السياسيين الملاعين الذين ينصبون أنفسهم آلهة وهم ليسوا سوى آلهة زائفة، وكل مشاركة بسيطة منك حتى ولو بدعوة لهم بالنصر تجعل منك جزءاً صغيراً وعظيم القدر من التاريخ، وما الشرف الذي قد يكون اليوم أعظم من أن تشارك في حدث يعيد تكوين وعي العالم بأسره من جديد؟!
اللهم انصر إخواننا، وثبت أقدامهم، وألهمهم الصبر على مصائبهم، واكتب لهم فرجاً ونصراً قريبين من عندك يارب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق