القلم التيموري - ٢ (عن قتلي لأبطالي!)
ماذا عن قتلي لأبطال رواياتي إذن، أهو ما نسميه بعاميتنا المصرية (روشنة) أم إدعاء عمق في تجارب أدبية غير عميقة؟!
حقيقة الأمر أنه ليس سطحياً على الإطلاق؛ فهوسي بموت الشخصيات هذا له أبعاد فلسفية عديدة تتنوع وتختلف من قصة لأخرى، تعالوا أشرح لكم الأمر:
١-في "صفوة الفقراء" كان الموت إشارة واضحة لظلم الدنيا، وإسقاط قِيَاميّ على أن الخير يكمن في الحياة الآخرة، وأننا لا نتوصل إلى هذه الحقيقة إلا بعدما نكون قد تجرعنا كأس المعاناة والتجربة التراجيدية البشرية حتى آخر رشفة منه، أو وصلنا لمرحلة مرعبة من الحب كبطلي الرواية؛ تجعل الإنسان فعلاً يصل إلى أقصى طاقاته البشرية فينبذ الخوف من عدوه المجهول الأعظم وهو الموت، دون أن تطرف له عين!
٢-في "رجل الخطايا الصعبة" كان الموت اعترافاً بالخطايا، اعتراف المجرم بجريمته والظالم بظلمه، واعتراف الشيطان بشيطنته وإدراكه أنها جزء طبيعي من توازن العالم، ومكون أساسي لثنائية الخير والشر الديناميكية الحاكمة لقوانين حياتنا وأفكارنا، وعَكَسَ رغبة قوية في التطهر بالتضحية والتخلي عن ملموسية الوجود المادي؛ لأن البطل الذي يفترض به أن يكون شريراً أيضاً بأفعاله الماضية أعلن نهايته كشرير وبدايته كبطل حتى لو مات، حتى لو لم يعلم بذلك أحد غيره، استسلم لفطرة خير ألهمته بفعل أمر صحيح حتى لو لآخر مرة في حياته، حتى لو بشكل خاطئ!
٣-في "سر ليلة" كان الموت هو حساب كل بطل في القصة على خطاياه، الثلاثة ماتوا تباعاً في مشهد واحد بثلاث طرق محتلفة وكل واحد منهم كان يمثل خطيئة بشرية ما في نظري، فأحدهم مثل الفضول والآخر مثل حياة الجريمة بشكل عام والأخير مثل آثام الماضي التي تظن أنك هربت منها بينما هي تطاردك.
٤-في "بالتوازي" كان لا بد وبأي شكل أن يموت المناضلون، ويحيا الفاسدون حتى لو نووا التوبة، لم أقدر أن أمس بطل القصة بسوء لكن فعلتها مع كل شخص حوله نبذه وكرهه لأجل شره وتلاعبه بل عمل ضده وحاول قتله، وجعلته - حتى وهو يحاول التوبة - يقتل ويفسد؛ لأن هذا هو السياسي وسيظل دائماً، قذر متسخ بأوحال الأنانية ليس مستعداً للتضحية! بالنسبة لي كان بطل القصة هو أقذر وأسوأ شخصياتها من البداية حتى النهاية، ومحاولة التعاطف التي خلقتها في النهاية كانت مجرد مغالطة سردية مقصودة، أعتقد أن قليلاً ممن قرأوا الرواية فطنوا إلى مقصدي!
٤-في بعض قصصي المستقبلية إن شاء الله وحتى فيما كتبته بشكل عام أعتبر الدنيا نكتة رخيصة، والموت نكتة أرخص؛ بالأعلى في أول روايتين مثلاً نرى أن أبطالنا حققوا مرادهم في الدنيا بأن يكونوا خارجها، أليس هذا بنكتة؟!
في رواياتي كما رأيتم أعتمد على المبالغة والدرجات القصوى من المشاعر والرغبات، لا تعرف أفكاري حتى أبجديات ما يسمى بمناطق وسط؛ لو أردت أن تكون بطلاً مُت، لو أردت أن تضحي مت، لو أردت أن تحب مت، لو أردت تغيير العالم مت، لو أردت الحكمة مت، لو أردت الفضيلة مت، ولو أردت الخلود مت!
أنا في أغلب رواياتي أحتقر الدنيا، وأسخر منها بكل صورة ممكنة، وأعترف أن نسبة ضخمة من أفكاري الكتابية عدمية وقيامية تدعو لنبذ الدنيا والسخط على أحوالها بكل شكل ممكن، لكن...
هاك ملاحظات هامة على حديثي هذا:
١-أنا مسلم أوحد الله وأؤمن بحكمة نبيه، ولو قلت أن كرهي للدنيا وحبي وشوقي للحياة الآخرة - بعد أن يرضى ربنا عني - سبب كبير أصلاً في إلهامي بهذه الأفكار؛ ستحسبني مجنوناً!
٢-أنا لا أدعو للتكاسل في الدنيا وعدم السعي بتحقير قيمتها، وليس هنالك من داع لأن أشرح هذا الآن؛ فهو واضح لمن تفكر.
٣-أي تجربة شخصية أذكرها كتلك وكغيرها لا تكون بهدف إدعاء العمق و(الفزلكة) أو(الفشخرة الفارغة)؛ فأنا أكثر من ينتقد رواياته بنفسه نقداً يجعله يفكر مليون مرة في الاعتزال، لكني أذكر هذه التجارب بهدف إلهاميّ وتعليميّ، وكنقل للخبرة، وليكن هنا مثلاً أشرح لكم متى يكون موت الشخصيات ذا دلالة عميقة وكبيرة بدل أن يكون سخيفاً وإدعاء عمق في رواية سطحية، وأشرح لك أيضاً كيف أن "الفلسفة" تعطي رواياتك أعماقاً مرعبة تجعل القارئ يقرأ حتى وهو يعلم مثلاً أن البطل سيموت!
في كتاباتك، كن في صف الفلسفة؛ فهي لن تخيب أملك أو تخذلك، وهي من أكثر الأمور التي تجعل العقل البشري يحس بصحته ووجوده...لكن لا تبالغ بالتأكيد!
تعليقات
إرسال تعليق