GRIS

في أوقات كثيرة يشعر المرء بالملل من الألعاب الضخمة والطويلة، ويرغب في تجربة ألعاب بسيطة تعتمد على توجه فني ما، ما نسميه في أوساط الألعاب الإلكترونية "ألعاب الإندي".

وGRIS لعبة بسيطة في ميكانيكياتها ولكن عميقة في رسالتها وفنياتها وتفاصيلها، ومشحونة بالعواطف التي تقدم تجربة مؤثرة تعلق بذهنك لوقت طويل؛ فهي لعبة لا تتسم بأسلوب لعب معقد أو مزعج وإنما تحاول أن تكون لوحة فنية حية أكثر من كونها لعبة، وهي بالتأكيد تحقق ذلك بشكل مبهر مع كل ثانية من مدة اللعب.

اللعبة فكرتها حسب فهمي الشخصي وحسب آراء بعض من لعبوها تعبر عن فتاة في عالم فني خيالي، أصابها الحزن لموت والدتها ففقدت صوتها، وربما ذاتها، واتضح هذا جلياً في مقدمة اللعبة ونحن نراها لا تقدر على الغناء بصوت العذب كما اعتادت، وجعلها الحزن تائهة في عالم خال من الألوان، ومع تقدمها في رحلتها عبر مراحل حزنها المختلفة نجد أن الألوان تعود تدريجياً إلى العالم بدلالاتها المختلفة؛ فالأبيض يرمز للإنكار والأحمر رمز الغضب، والأخضر دلالة المساومة والأزرق يدل على الاكتئاب، وهكذا وصولاً إلى ما سيشير إلى التقبل والتخطي حسبما أعتقد وحسبما يعتقد بعض اللاعبين.

أكثر ما يثير الإعجاب في اللعبة بعيداً عن رمزياتها العميقة هو توظيفها لكل صور الفن الممكنة؛ فنجد العمق النفسي وربما الفلسفي يتضافر مع أسلوب الرسم والتوجه الفني الرائع والجذاب وتشرف عليهم الموسيقى التصويرية الفخمة كقائدة للأوركسترا، وبالطبع لا ننسى توجيه التحية الخاصة لتصميم المراحل المبهر بداخل اللعبة، الذي يجعل البساطة والتعقيد نقيضين مترافقين بشكل يجعل المنطق يصرخ محتجاً!

اللعبة موجودة على الكمبيوتر والمنصات والهواتف أيضاً، ولا تتطلب جهازاً قوياً لتشغيلها ما يجعل الكل يستطيع لعبها والتمتع بجمالياتها.

تقييمي النهائي لها ٨.٦ من ١٠؛ هذه التحفة الفنية تذكرنا بالجانب الجمالي الفني من الألعاب الذي بدأ ينحدر تدريجياً مع ظهور موجة الجرافيكس العالي والواقعية الصارخة، بشكل خلق سؤالاً صعباً في مجتمع اللاعبين: ما الفرق الآن حقاً بين اللعبة والفيلم والواقع الذي نحياه؟ وفي النهاية نحن سعداء بوجود من لا زالوا يعلمون معنى كلمة "لعبة" ومعنى كلمة "فن" كصناع لعبة GRIS.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous