عناق السماء
لا أبالغ إن قلت أنه أهم ما أنجزت وأقرب إنتاج فني إلى قلبي في هذا العام كئيب الظلال والأيام، ولا أبالغ أيضاً إن قلت أن الفيلم تقريباً صنع نفسه بنفسه، وأن كل تفاصيله خارجة مباشرة من روحي وعقلي إلى روح وعقل المشاهد، وهذا ما يجعلني حقاً أفخر به كأول إنجاز لي في مجال صناعة الأفلام القصيرة.
إني بطبيعتي أحب التأمل وأدون خواطري بشأن كثير مما أراه أمامي أو يحدث حولي أو لي، وخلال فترة ما قبل عملي على الفيلم دونت بعض الخواطر على مدار أيام مختلفة ومتباعدة، وذات يوم بينما أنا في طريقي إلى الجامعة كنت أعيد قراءة هذه التدوينات، ولاحظت أنه يمكن تجميعها في نص أدبي حر واحد، وعندما فعلت ذلك حقاً وجدتني فجأة أقول لنفسي: "لنصنع فيلماً!"
لم يكن لهذا الفيلم فكرة، وإنما مجرد حلم أو أمنية أو دعنا نقل نية سخيفة لصناعة فيلم وحسب، وفجأة خلال تفكيري في هذا الأمر ألهمني الله بفكرة رائعة؛ لا ينبغي للفيلم أصلاً أن تكون له فكرة محددة أو أحداث أو دراما أو كل هذا، ما المانع أن يكون الفيلم تأملياً يعتمد على سرد بعض الخواطر وحسب؟ أن يخرج من مشاعري وروحي وأفكاري فيجد طريقه إلى وجدان وروح وعقل المشاهد؟
هكذا اكتشفت أن النص الأخير يمكنه أن يشكل مصدراً أساسياً رائعاً أعتمد عليه؛ فشرعت أكتب السيناريو الذي كان عبارة عن تعليق صوتي لمحتوى النص على مدار تسلسل عدة لقطات، وقد قررت أن تكون هذه اللقطات مشاهد تأملية عشوائية ألتقط فيها بعيني جماليات عدة من حولي، مع موسيقى تصويرية مميزة لحنتها ونفذتها بحيث تضع المشاهد في أجواء التفكير والتأمل التي كنت أحياها خلال فترة كتابتي للخواطر وعملي على الفيلم.
سعدت حقاً بالتجربة وبإعادة استكشافي لذاتي الفنية، وأثبتت لنفسي أنني وبحمد الله ما زلت جيداً في فعل ما أحب؛ فوجدتني أستطيع كتابة التأملات والنصوص الأدبية العميقة وإعطائها أبعاداً فنية متنوعة - بصرية وفنية وموسيقية - ورأيتني جيداً في الإمساك بالكاميرا وتحديد الكادرات وإخراج الصور واللقطات السينيمائية وتحريرها ومونتاجها وإضفاء العمق على ألوانها، واكتشفت أنني لا زلت أستطيع صناعة موسيقى تصويرية مقبولة ومناسبة لأجواء خاصة، وأفضل شيء أني أيقنت حقاً أن الله قد خلقني في أحسن تقويم وأن وجهي ليس عدواً حقيقياً للكاميرات كما كنت أظن!
والحمد لله أن كثيراً من رفاقي شاهدوه وقتها، وأراه قد أعجبهم، ولكن المهم حقاً أنه أعجبني؛ كونه عبر عن فكري - وعن فكر كثيرين غيري حسبما أظن - في فترة كنت حقاً أبحث فيها عن ذاتي، ووجدت أن الفيلم حقاً يمثل بكل ما فيه من عناصر فنية وأدبية تفاصيل رحلتي تلك باختصار، ويصف التيه والهداية اللذين خضتهما فيها جيداً.
وأختم حديثي بأن أضع لكم رابط هذا الفيلم القصير على يوتيوب، وأقول لكم أنكم لن تعرفوا أبداً حدود قدراتكم إن لم تسمحوا لنفسكم باختبارها.
تعليقات
إرسال تعليق