شاي بحضرة شبح
بحمد الله انتهى فيلمي القصير الثاني "شاي بحضرة شبح"، وقد تركت بالأسفل روابط للفيلم على يوتيوب والسيناريو على حسابي بجوجل درايف والصياغة القصصية القصيرة للفيلم على موقع كتوباتي، وأرجو أن تشاهد الفيلم أولاً قبل أن تقرأ هذا المقال عن استلهامي لفكرته.
جاءتني فكرة الفيلم وعشت في أجوائه في وقت كنت متأثرًا فيه بالتيار الفلسفي العبثي - وهو التيار الذي درسناه في الكلية، حيث تعرفنا على وجوده وروّاده، وتأثيره على الأدب - والذي نشأ في فترة الحربين العالميتين حينما كان تأثيرهما النفسي تحديداً قاسياً على الناس؛ فدفعهم ذلك إلى التشكيك في وجودهم، والخوف من العالم بدلاً من الشعور بأنه يحتضنهم؛ ونتيجة لذلك، أصبحت نظرتهم للحياة عبثية للغاية. من أبرز روّاد هذا التيار الفيلسوف ألبير كامي، الذي يمكن لمن يقرأ روايته "الغريب"أن يفهم بوضوح معنى العبثية في الفلسفة والأدب.
أما عن تأثري الشخصي، فلم يكن عميقًا إلى هذا الحد، لكنني سعيت إلى تجسيد شخصيات تعيش حياة مضطربة بأسلوب تهكمي عبثي؛ على سبيل المثال، لدينا شخصية الشبح الذي، بعد أن قُتل على يد والده، لم تهدأ روحه؛ فانتقم بقتل والده، لكنه مع ذلك لم يجد السكينة إذ شعر بالذنب تجاه فعلته - وما زلت أذكر كيف كنت أضحك من قلبي أثناء كتابة هوامش هذه الشخصية - أما الشاب نفسه فمن غيره قد يشعر بوحدة خانقة إلى درجة تدفعه إلى تكوين صداقة مع شبح إلا إذا كان يرى حياته فوضوية إلى الحد الذي يجعله لا يخشى المغامرة بأي شيء؟ وهكذا...
الهدف الأساسي من الفيلم هو أن يكون في مجمله عملًا عبثيًا غير منطقي، لكنه يحمل في طياته عبق المأساة، وأجواءً غريبة لكنها مألوفة في الوقت ذاته. هو مزيج أظنك قد فهمته جيداً لذا لن أكثر من الحديث عنه.
ببساطة، الفيلم يحمل رسالة جادة، لكنه في تفاصيله عبثي من الدرجة الأولى، عشوائي ولكن بشكل مدروس، أشبه بما يمكن وصفه بـ"الفوضى المنظمة" ولكن بنسخة أكثر بساطة، هل فهمت الفكرة؟
أما عن نهاية الفيلم، فهي مرحة، مرضية، ومفتوحة لتفسيرات متعددة؛ يمكن لأي مشاهد أن يستنبط معناها بحرّية؛ ربما كان الشبح مجرد وهم، ونصيحة الزواج التي قدّمها ما هي إلا انعكاس للاوعي البطل الذي يحاول دفعه إلى التوقف عن العبث ومواجهة الواقع.
وربما كان الشبح حقيقيًا، ينصحه بالاستقرار بدافع الشفقة والرغبة في مساعدته. أما عنّي، كمحمد، فأنا أختار التفسير الثاني، لكن لك مطلق الحرية في اختيار النهاية التي تراها مناسبة!
الموسيقى التصويرية كما هو معلوم لغة وأداة لنقل الأفكار والمشاعر؛ لذا كان لا بد أن تعكس الأجواء والتيمة العامة للفيلم بدقة؛ أي أن الآلات والألحان لم تكن عشوائية بل تم اختيارها بعناية لتجسيد روح الفيلم: الغرابة، العناصر الخارقة للطبيعة، الفلسفة، العبثية التي قد تجعلك تبتسم رغماً عنك في بعض المشاهد والجمل، إضافة إلى الأسئلة الوجودية وتأمل الإنسان في مكانته في الحياة.
في البداية، كانت الموسيقى التي ألفتها تميل أكثر إلى طابع الرعب، لكن في الواقع لم يحتو الفيلم على عنصر الرعب بشكل أساسي، كما أن الغرابة والعناصر الخارقة للطبيعة لا تعني بالضرورة وجود الرعب ولذا أعتقد أنني قدمت موسيقى تصويرية مقبولة جداً، وأتمنى أن تكون قد نالت إعجابكم. لقد استلهمت عملي من عدة مصادر وهي:
Les arbres (1917)
White noise (Silent hill 2 Remake)
Midnight despair: Nier Automata piano productions (Playlist)
Bloodflower (Assassin's creed mirage)
La petite fille de la mer (Vangelis)
A new swan queen (Black swan)
Purpose is glorious (Loki S2)
لم يكن استخدامي للأبيض والأسود في تصوير مشاهد الفيلم اختيارًا عشوائياً أو مدفوعاً بعامل الحنين إلى زمن قديم وحسب، فرغم حبي الشخصي لهذا التدرج اللوني المحايد والعميق إلا أن هناك سبباً أكثر أهمية وذا دلالة أعمق؛ فالبطلان في الفيلم لا يشعران بألوان العالم أو بطعمه، بل على العكس هما منبوذان منه، يراقبانه دون أن يشعرا بأن لهما دوراً فيه؛ ولهذا يظهر المشهد الأخير بالألوان كدلالة على تقبلهما لحزنهما واستمتاعهما بصداقة بعضهما البعض، حيث أدركا أنها الجائزة الوحيدة التي منحها لهما القدر بعد صبرهما.
كذلك، اختفاء كوب الشاي في المشهد الأخير لم يكن عشوائياً؛ فالشاي كان مجرد وسيلة للبطل ليهدئ أعصابه حتى يتمكن من تجاوز يومه، لكن الأمر تغير قليلاً بعد لقائه بالشبح... أتفهم ما أعنيه؟
تعليقات
إرسال تعليق