ليست هذه أول مرة أعاني هذا الأمر، لكني حقاً فقدت قدرتي على الكتابة، ولا بضع كلمات حتى!
ولأني أصبو دائماً للخروج عن المألوف وأحب التجديد والتغيير في أبسط التفاصيل؛ قررت أن أكتب بضع كلمات عن عدم قدرتي على كتابة بضع كلمات!
إن حالتي هي مجرد مثال أريد به إشارة إلى قضية عامة؛ وهي أن كثيراً منا اليوم فقدوا - أو في طريقهم لهذا الفقد - قدراتهم على تذوق الجمال والتمتع بالتفاصيل، وأصبحت كل أفعالهم تقريباً روتينية حتى تلك التي تهدف إلى سمو الفكر والوجدان؛ كالقراءة وتذوق الأدبيات وطلب العلم والكتابة والولع بالموسيقى ومشاهدة الأفلام، ويكأن العالم بكل ما فيه غدا "كليشيه" رخيصاً؛ فأصبح كل شيء مكشوفاً لنا وربما حتى قابلاً للتنبؤ في حالاتً عدة، وما عاد المرء يدري كيف أو ماذا يفعل ليخرج عن المألوف ويشعر حقاً أنه يفعل أمراً جديداً؛ لأنه من سمات هذا العصر المتوحش أن التجديد نفسه أضحى روتينياً بشكل أو بآخر، ومهما ظننت أنك تسير بعيداً عن هوة الروتين فما عاد هنالك شك أن سقوطك فيها ليس إلا مسألة وقت!
ومن سمات عصرنا المتوحش هذا أيضاً؛ أن تشخيص أمراضه ومشاكله سهل، أما الإتيان بحلول نافعة لها فصعبٌ، وفي هذا السياق دعني أخبرك بما يُشعرك بسخرية الأقدار؛ ألا تلاحظ أيضاً أن النصائح التي تُقدم في الأساس للتغلب على الروتين والملل هي بحد ذاتها روتينية مملة وربما شبه مستحيلة التنفيذ؟!
القضية مخيفة إن فكرنا فيها بروية؛ ألا يرعبكم أننا نفقد إنسانيتنا شيئاً فشيئاً وأن عقولنا تفسد بالتدريج، وأننا قد نفقد قريباً ميزتنا الإنسانية التي فضلنا الله بنا على الحيوانات وكثير من خلقه؟!
لهذه القضية جذور كثير ذات أبعاد متشابكة ومختلفة، لكنني الآن التفتُّ فقط إلى احتمال لا يجرؤ على استبعاده أحد؛ وهو باختصار أن يكون الله قد غضب علينا فحرمنا - ولو بشكل غير كامل - من تفوقنا الإنساني على بقية الخلق، وأنزلنا هذه المنزلة فأصبحت حيواتنا عديمة القيمة وغدت أفعالنا عبثية تأثيراتها هزيلة، ما الذي يمنع هذا؟! 
إني لا أكذب أو أدعي الإبداع إذ أني حقاً أشعر بتعفن دماغيّ مزعج يمنعني حقاً من التعبير كما كنت أفعل سابقاً؛ ولذا فلا يصيبنكم العجب إن شعرتم أن هذه الكلمات لم تلامس قلوبكم، أو إذا شعرتم أن الحديث عن حياتنا الروتينية والمملة هذه، هو في جوهره روتيني وممل أصلاً! 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous