المعرفة

ما أعلمه يقيناً عن المعرفة أن قيمتها في نفعها واستخدامها وتوظيفها وتطبيقها، ويختلف كل هذا من شخص لآخر؛ فلا أحد منا ينبغي أن يلم بالمعارف في جميع حقولها، وكل منا يجب أن يكتسب المعرفة التي يحتاجها في حياته ومهنته وحسب، ولا مانع من الاستزادة بمعارف أخرى خارج هذا النطاق من باب الثقافة والإشباع المعرفي، لكن بشرط ألا يزيد هذا الأمر عن حده؛ فيتحول السعي الشغوف نحو المعرفة إلى هوس يصيب صاحبه بالجنون؛ لأن مطلبه حينئذ - وهو الإلمام بالمعرفة البشرية كاملة سواء شعر بتلك الرغبة بداخله أم لم يفعل - سيغدو مستحيلاً بلا شك.
والقرآن الكريم؛ دستور الحياة الإسلامي البليغ، يلخص كل ما يمكن قوله عن المعرفة واكتسابها في جزء من آية: "...وفوق كل ذي علمٍ عليم"؛ فالمعرفة الكلية لا يمكنها أن تكون أبداً بين يدي الإنسان لأنه لن يطيقها أو يقدر على الإلمام بها كلها مهما فعل، وفي عقيدتنا الإسلامية من المنطقي أن تكون المعرفة الكلية حكراً على خالق الكون والمعرفة نفسها؛ وهو الله جل وعلا، أما الإنسان فلا يجب أن يجعل المعرفة هوساً وكابوساً بالنسبة له وإنما وسائل للنفع والتطبيق في الحياة العملية مع بعض الزيادة من أجل الثقافة والاستطلاع كما أسلفنا الذكر، أما اكتساب المعارف دون تصنيف أو تدقيق أو تمحيص لما يدخل الذهن منها لمجرد التنظير أو استجابة للرغبات المرضية والهوس فهو ما لا تحمد عقباه، ولن تعرف ذلك إلا بعد بعض الوقت.
وبهذه المناسبة نذكر النظام التعليمي المصري كأسوأ مثال على اكتساب المعرفة بلا منفعة أو فائدة؛ فهي تقدم للطالب حشواً من المعارف القيمة في جوهرها لكن غير مفيدة بالنسبة له، وتسبب له آثاراً نفسية وعقلية بل وبدنية سيئة إثر محاولة جامدة وسخيفة لتحويله إلى عالم موسوعي، ورغم أن الطالب - وهذا مُلاحظ منذ عدة سنوات - لا ينتفع بنصف ما يتعلمه حتى وينساه بعد الامتحانات فإنهم ما زالوا يصرون على استخدام هذا النظام العقيم والاعتراف به، ونحن في غنى عن ذكر أضراره ومشاكله تحديداً في تفكيك البناء الأسري المستقر وخلق عداوات بين الطالب والأهل، ولكن لأن هذا مجرد مثال لا موضوع رئيسي للحديث - ولأن ذكرياتي معه أسوأ من أن أتحدث عنها - سأكتفي بقول ما قلتُه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous