{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}
أثارت الآيتان من سورة الأنعام انتباهي؛ فتدبرتهما لبضع دقائق الليلة الماضية، والسطور القادمة نتيجة هذا التدبر - والمعتاد مني بالطبع أني أتدبر بنتائج تقبل الصواب والخطأ
"هل عندكم من علم" و"إن تتبعون إلا الظن"، بين الجملتين مقابلة وبين لفظي "العلم" و"الظن" طباق أراهما للاستنكار، أيعلم أصحاب الشبهة حقاً ما يريده الله تعالى؟ أيفهمونه؟ أرأوه؟ أَبَلَغَهُم منه وحي؟ كلا، إنما هم يظنون بالله ظنوناً ترضي أهواءهم، وتحفظهم من لدغ ضمائرهم؛ فيسير الإنسان في طغيانه جنباً إلى جنب مع طاغوته بإرادته ويقول: "لو أرادني الله ألا أسير ما سرت!" وهذا قول حق يراد به باطل؛ فالله بالفعل لو أراده ألا يُوجد أصلاً ما وُجِد، بعزته وجبروته يقول للشيء كن فيكون، لكن في الآية التالية يرد الله ذو الحجة البالغة فيقول أنه لو أراد بالفعل لهدى الجميع، وليست نهاية العظة أو الحجة في الآية بل فيما وراء الآية؛ فالله قادر على هداية الجميع لكن ها هو ذا لا يفعل، ألا يدل هذا أن لك إرادة حرة لا تتنافى مع علم وعدل الله؟ لو فعل الله وهدى الجميع فما مغزى أي شيء في الوجود؟ إنما بحكمته أنعم علينا بالحرية والإرادة بما لا يخرج عن علمه وعدله، وكيفية هذا أراها من الغيب الذي لا ينبغي أن ينشغل الإنسان كثيراً بإعمال عقله فيه؛ فالمنطق البشري لا يخضع له الله سبحانه وإنما العكس؛ لا يفهم الصنعة إلا صانعها فكذلك لا يفهم هذا الخلق بتعقيده وتشابكه وعجائبه إلا خالقه.
كل ما تعلمه عن العالم أو الكون مقارنة بعلم الله هو مجرد ظن، إنما العلم حقاً لله تبارك وتعالى، حقائق الأمور كلها ما زلنا لا ندري ولو أدق جزء منها ولم نصل إلى جميعها، تعلم كمسلم أن الجماد به جزيئات تتكون من ذرات وإلكترونات وبروتونات وإلخ، لكن أمامك ابتلاء عظيم وهو أن تؤمن بأن جذعاً حن لفراق النبي عليه الصلاة والسلام حينما خطب على منبر بدله، هذا على سبيل المثال، كيف؟ لا تدري، تؤمن وتسلم، لأن الظاهر لنا مما سمح لنا الله أن نعلمه هو أقصى ما سنحصله من العلم.
كل النظريات العلمية تدحض بعضها على اختلاف حقولها ومجالاتها، في علم النفس كلٌّ يفسر السلوك أو قضايا النفس البشرية عموماً بماهية مختلفة حسب مدرسته سواء أكانت مدرسة فرويد أو نظرية المثير والاستجابة أو مدرسة العلاج بالمعنى، وفي الفيزياء الكونية ترى على الساحة أسماء عدة كميكانيكا الكم والنسبية أو الأوتار الفائقة التي تحاول توحيد النظريتين السابقتين وإلخ، والفلسفة لها مدارسها، وتدرك ببساطة أن الحقيقة الوحيدة في هذا العالم عديم الرأي والمبدأ أن الله باق، وكل شيء هالك إلا وجهه.
وهذا ليس كلاماً تقوله لملحد أو غير مؤمن - نتفضحناش وتضحك علينا الناس - وإنما لنفسك كمسلم، فقط لتعلم أنك لا تعلم شيئاً، ويتحقق عندك حسن الظن بالله؛ فيزول عنك الخوف من العالم ويحل محله خوف صحي عظيم نحتاجه جميعاً: هو الخوف من الله.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نوار

Blasphemous