١٦
ما جدوى أي شيء حقاً في هذا الوجود؟
وكيف تكون مسائل الدافع والرغبة والشغف عجيبة وغير ملموسة إلى هذا الحد؟
وحتى لو وُجدت هذه الدوافع كمحركات للأفعال الإنسانية فما جدواها؟ أهي حقيقة نقية أم مجرد وسائل يستعين بها الإنسان على القيام بالأفعال في الحياة وملء وقت فراغه؟
إني أعاني أزمة وجودية صعبة هذه المرة؛ فقد أضحيت لا أرى أهمية أو قيمة لأي شيء في الحياة، على الإطلاق!
وأبرز ما تضرر هو حبي للفن، شغفي الأعظم، الذي أصبحت اليوم أتساءل عن معناه في حياتي، وعما إذا كان ينفع أحداً أو يحدث أثراً فيمن يتلقونه بالفعل أم لا، أيقراً أحد رواياتي أو يهتم بها، أو يستمع إلى موسيقاي فتحرك مشاعره، أو يشاهد أفلامي القصيرة فتثير وجدانه، أو يشاطرني حبي - السابق - للعالم والحياة بكل تفاصيلها واعتبارها فناً خالصاً؟
من الله علي بنعمة تذوق الجمال في كل شيء؛ في كل المناظر والصور أمامي، وفي البشر، وفي دورة الحياة بأحداثها اليومية، وغير ذلك، كنت حساساً جداً لكل ما يحدث ما حولي وعندي مقدرة رائعة على التقاط دقائق الأمور وملاحظتها وفهمها وتحليلها...واليوم أتساءل حقاً ما جدوى ذلك؟!
حاولت صناعة مقطوعة موسيقية عذبة منذ قليل، ورغم أني صاحب مقطوعتين رائعتين هما "متى دوري" و"خطابات" إلا أني وجدتني أتعامل كالمبتدئ؛ لا أجد أفكاراً للحن ولا أستطيع اختيار الآلات أو التعبير عن المشاعر المستهدفة من المقطوعة.
أشك في نفسي وموهبتي اليوم!
لكني، وبعد انتهائي من فيلم Andrei Rublev الرائع لمخرج روسي احتل مكانه في قائمة مفضلاتي هو أندريه تاركوفسكي، أعجبتني جداً قضاياه؛ وأهمها قضية جدوى الفن وأهميته حقاً، هذا من خلال أحداث عاصرها البطل وجعلته يشعر أن البشر أعقد مما ينبغي وأن الفن لا يغير فيهم شيئاً بل إنهم لا يستحقونه ولا يستحقون الجمال لأنهم لا يقدرونه، لكن الختام عندما استعاد روبلوف ذاته الفنية ووجد إلهامه عندما رأى الشاب الصغير يعتمد على إيمانه وجرأته في صنع الناقوس ويدير العمال ويقودهم ويدعي معرفة سر لا يعرفه حقاً كان الجزء الأروع بالنسبة إلي، وأزعم أنه أعاد إلي جزءاً من ثقتي بنفسي، ووجدتني أناجي ذاتي مطمئناً إياها أني لا أستطيع حقاً أن أبدع وأنا أشعر أن لا أحد يأبه، أو أنه ليس هنالك إلهام، أو أني حالتي النفسية ليست مستقرة أو أني ربما أكون مللت، ربما عندما أتفرغ أتعلم أكثر وأحترف الأمر فيتحسن مستواي...كل الأمر أني سأتوقف عن صناعة الموسيقى وأفخر بإرثي السابق فيها إلى أن أحسن نفسي يوماً ما، وأغير فلسفتي إلى الجودة على حساب الكم، حتى لو كنت سأصنع مقطوعة واحدة كل عام فلا بأس من ألبوم صغير بخمس مقطوعات أنتجه في خمس سنوات، حقاً لا بأس!
ربما لن تتغير الأمور، وأعلم أني سأظل أرى أنه لا جدوى من أي شيء في الحياة أو الوجود، لكن الصبر صانع المعجزات الأهم، وأظنه الفضيلة العظمى الباقية من زمن المعجزات والشاهدة عليه.
آمل ألا تظل حياتي هكذا إلى الأبد، آمل أن أجدني يوماً ما.
تعليقات
إرسال تعليق